السيد علي عاشور

97

موسوعة أهل البيت ( ع )

وأما ما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور فدعوى ، وينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل لأنه أسير ، وليس له سلطان فلا فعل له ولا تدبير ، وإن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز ، فإن لم يكن كذلك وكان أسير الظلمة فإنه يظهر في هذا العالم إحسان وخير مع فساد وشر فهذا يدل على أن الظلمة تحسن الخير وتفعله كما تحسن الشر وتفعله ، فإن قالوا محال ذلك فلا نور يثبت ولا ظلمة وبطلت دعواهم ورجع الامر إلى أن الله واحد وما سواه باطل ، فهذه مقالة ماني الزنديق وأصحابه ، وأما من قال : النور والظلمة بينهما حكم ، فلا بد من أن يكون أكبر الثلاثة الحكم ، لأنه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب أو جاهل أو مظلوم ، وهذه مقالة المدقونية ، والحكاية عنهم تطول . قال : فما قصة ماني ؟ قال : متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية ، فأخطأ الملتين ولم يصب مذهبا واحدا منهما ، وزعم أن العالم دبّر من إلهين : نور وظلمة ، وأن النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه ، فكذبته النصارى وقبلته المجوس . قال : فأخبرني عن المجوس أبعث الله إليهم نبيا ؟ فإني أجد لهم كتبا محكمة ومواعظ بليغة وأمثالا شافية يقرون بالثواب والعقاب ولهم شرائع يعملون بها . قال : ما من أمة إلا خلافيها نذير وقد بعث إليهم نبي بكتاب من عند الله فأنكروه وجحدوا لكتابه . قال : ومن هو ؟ فإن الناس يزعمون أنه خالد بن سنان ؟ قال عليه السّلام : إن خالدا كان عربيا بدويا ما كان نبيا وإنما ذلك شي يقوله الناس قال : أفزردشت ؟ قال : إن زردشت أتاهم بزمزمة « 1 » وادعى النبوة فآمن منهم قوم وجحده قوم فأخرجوه فأكلته السباع في برية من الأرض . قال : فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم أم العرب ؟ قال : العرب في الجاهلية كانت أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس وذلك أن المجوس كفرت بكل الأنبياء وجحدت كتبها وأنكرت براهينها ولم تأخذ بشي من سننها وآثارها ، وأن

--> ( 1 ) قال الفيروزآبادي : الزمزمة : تراطن المجوس عند أكلهم وهم صموت لا يستعملون اللسان ولا الشفة في كلامهم لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها فيفهم بعضها عن بعض . وفي النهاية : في حديث قباب بن اشيم : والذي بعثك ما تحرك به لساني ولا تزمزمت به شفتاي . الزمزمة : صوت خفي لا يكاد يفهم ومنه حديث عمر : كتب إلى بعض عماله في أمر المجوس وأنههم عن الزمزمة وهي كلام يقولونه عند أكلهم بصوت خفي .